عبد الكريم الخطيب

578

التفسير القرآنى للقرآن

- وقوله تعالى : « أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ » - هو استفهام توبيخى لهؤلاء المشركين الذين يتلقون معتقدهم عن آبائهم ، دون أن يكون لهم نظر أو رأى فيما تلقوه ، ودون أن يتعرفوا إلى حقيقة هذا المعتقد ، وما فيه من حق أو باطل ، ومن خير أو شر ، وإنما يأخذونه كما هو ، عادة من العادات ، وتقليدا من التقاليد . . فلو أن آباءهم هؤلاء جاءوا إليهم على صورة شياطين يدعونهم إلى جهنم ويفتحون لهم أبوابها ، لاستجابوا لهم ، ولاقتفوا آثارهم ، دون وعى ، أو التفات إلى النار التي هم مدفوعون إليها ، إنه التقليد الأعمى ، والمتابعة الحمقاء ، التي يسلّم فيها المرء وجوده كله لغيره ، دون أن يجعل لعقله حق النظر والاختيار . وإنه لعدوان أثيم على الجانب الروحي في الإنسان ، وذلك بحرمانه من أن يذوق بوسائله الإدراكية ، والشعورية ، والوجدانية ، ما يغذّى هذا الجانب ويرضيه تماما كما يفعل الإنسان فيما يتصل بغذائه الجسدي ، فهو الذي يتخير طعامه ، ويذوقه ، ويمضغه ، فإن استساغه تركه يأخذ سبيله إلى جوفه ، وإن مجّه ، أو استخبثه ، ألقى به من فيه . وحمى جوفه من سوء ما ينحم منه . فكيف يقبل الإنسان أن يدع لغيره اختيار ما يغذّى روحه ومشاعره ، ووجدانه ؟ إن ذلك أشبه بالتغذية الصناعية ، التي يعيش عليها الأطفال أو المرضى ، لا يفيد منها الجسم إلا بالقدر الذي يمسك عليه الحياة . . هذا إذا كان الغذاء الصناعي طيبا سليما . . فكيف به إذا كان خبيثا فاسدا ؟ . قوله تعالى : « وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ، وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » .